أبي منصور الماتريدي

255

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال بعضهم « 1 » : قوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا . . . ، على الأمر ، كأنه قال : ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ؛ أمر العشرة القيام للمائة ؛ وقالوا : دليل أنه على الأمر قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الآية ، ولو لم يكن على الأمر والعزيمة ، لم يكن لذكر التخفيف معنى . وقال آخرون : هو على الوعد أنهم إذا صبروا وثبتوا لعدوهم غلبوا عدوهم ؛ على ما أخبر : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ . . . الآية [ البقرة : 249 ] ، ليس على الأمر ؛ لأنه قال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، أخبر أنهم إذا صبروا غلبوهم ، وهو كذلك - والله أعلم - إذ ظاهره وعد وخبر . والأشبه : أن يكون على الأمر ، ليس على الخبر ، على ما ذكرنا من قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ . وقوله - عزّ وجل - : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . ما لهم وعليهم . وقوله - عزّ وجل - : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً . فإن قيل : ما معنى قوله : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، وقد كان يعلم أن فيهم ضعفا وقت ما أمر العشرة القيام لمائة ، والعشرين لمائتين ؟ ! قيل : أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفا ، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم ، وذلك منه عدل ؛ إذ له الأنفس إن شاء أتلفها بالموت ، وإن شاء بالقتل بقتل العدو ، والتخفيف منه رحمة وفضل ، أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ابتداء ؛ امتحانا منه ، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم فيه ، وفي الحكمة ذلك ؛ إذ له الأنفس ، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء ، وهو ما ذكر بقوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ . . . الآية [ النساء : 66 ] ، ولو لم يكن له في الحكمة ذلك لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم . والثاني : يعلم فيهم الضعف كائنا شاهدا كما علم أنه يكون ، وهو ما ذكرنا في قوله : حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ . . . الآية [ محمد 35 ] ، أي : يعلمه مجاهدا كما علم أنه يجاهد ؛ فعلى ذلك هذا . ثم ذكر العشرة والعشرين يحتمل على التحديد . ويحتمل لا على التحديد .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 284 ) ( 16291 ) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 363 ) وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس .